وأما في تونس، فقد اكتسبت الحركة النّقابيّة مشروعيّتها المجتمعيّة من خلال تاريخها النّضالي ضدّ الاستعمار، ومشاركتها الفاعلة في بناء المشروع الوطني للمجتمع. وظلّت لعدّة عقود محتفظة بقدسيّة ورمزيّة مجتمعيّة كبيرة مكّنتها من الحفاظ على تماسكها ووحدتها في مختلف القطاعات. وشاركت عبر النّقابات المهنيّة ـ المحلية والجهوية ــ في الحفاظ على وحدة الانتماء لكلّ سلك وظيفي، خاصّة لمّا كانت تتمتّع باستقلاليّة في نشاطها عن تدخّل أجهزة الدّولة.
على الرّغم من أنّ "الاتّحاد العام التّونسي للشّغل" مازال يحافظ على صورته النضالية لدى الرّأي العام كمنظّمة عريقة ساهمت في الماضي، ومن موقع متقدّم في معركتي التّحرّر الوطني وبناء ما تسمى بـ"الدّولة الوطنية"، ومثّلت أهمّ قوّة توازن داخل مؤسّساتها، فإنّها شهدت منذ أواخر القرن الماضي (منذ 1989) مرحلة صعبّة تضرّرت فيها ضررا فادحا وفقدت فيها الكثير من مصداقيّتها وقدرتها على الإحاطة بالشّغّالين، زيادة على الانحرافات والعادات والممارسات السيّئة التي انتشرت في أوساط بعض النّقابيّين. واعتبار أنّ المنظّمة النّقابيّة هي منظّمة مفتوحة تؤثّر وتتأثّر بمحيطها المجتمعي، فإنّ مقامها وفعلها النّضالي والتعبوي والتّفاوضي لا يمكن عزله عن بقيّة محدّدات المسارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى، وعن المناخ السّائد عموما في تونس وخارجها. والأمر هنا يتعلّق بالمقام الموضوعي أو الحقيقي لهذه المنظّمة، وليس بموقعها أو دورها كما تتمناه دائما قواعدها وهياكلها.
ففي ظل الوضع الغامض والمتحول في تونس اليوم، من المهم أن نعتمد في مقارباتنا العلمية على النقد البناء؛ وهو النقد الذي يستهدف التقويم وتصحيح الأخطاء وليس النقد عبر معالجة الأخطاء بأخطاء أخرى، أو عبر إطلاق مواقف غير مدروسة أو القيام ببعث رسائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك) التي تعتبر، في نظرنا، أكثر خطأ مما وقع فيه الاتحاد والتي قد لا يعرف أصحابها نتائجها السلبية على مصالحهم وعلى دور منظمتهم في المجتمع كله في المستقبل.
كم تملكنا الشّعور بالحزن والفزع عندما قرأنا بعض الدّعوات لعدد من قواعد الاتحاد ومنتسبيه تحت عناوين مختلفة "احتجاجية" و"انسلاخية" وغيرها من أشكال ردود الأفعال غير العقلانية حول موقف هذه المنظمة " الغامض" من اقتطاع الحكومة 1% من زيادات أجور الموظفين العموميين ضمن الدّيون المتخلدة في ذمتها والتابعة لميزانية 2017.
نحن نعرف أن "الاتحاد العام التونسي للشغل" ومنذ تأسيسه في 20 جانفي 1946 لم يتّبع مسارًا تفاوضيًا ثابتا في تعامله مع السّياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للنظام الحاكم، أو في كيفيّة التعامل مع الأزمات التي عاشتها تونس وطرق إدارتها. ولكن ما ظلّ ثابتا رغم المنعرجات ومحاولات القضاء على هذه المنظمة من قبل خصومها، هو تماسك هياكلها على المستوى الجهوي والقطاعي. إذ اختلفت توصيفاته من فترة إلى أخرى. فقد وصف في فترات معينة بأنه القوة الضاربة في يد الحزب الحاكم لتقاربه من النظام البورقيبي عندما أيده في سياسته وتوقيع ما تسمى بوثيقة "الاستقلال الداخلي" سنة 1955 مع الاحتلال الفرنسي، رغم معارضة عدد من الأعضاء والنقابيين المنحازين لموقف صالح بن يوسف.
وفي بعض المحطات الاجتماعية الأخرى، مثّل هذا الاتحاد القوة الاجتماعية والسياسية المعارضة و"السّلطة المضادة" (Contre Pouvoir)الوحيدة التي وقفت في وجه تغوّل السّلطة الحاكمة نتيجة غياب المعارضة السياسية الحزبية القوية في الفترة البورقيبية ، مثلما كان الأمر في أحداث (مجزرة) 26 جانفي 1978 عندما أعلن الاتحاد الاضراب العام، وما تبع هذه الحركة من اعتقالات وشهداء وجرحى في صفوف قواعده على الرّغم من معارضة قيادته المركزية لذلك. كما كان له دور مهم في تعبئة الرأي العام إثر أحداث الخبز لسنة 1984 تجاوز بها الواجهة النقابية، فاشتغل أيضا على واجهات عديدة أخرى سياسية وثقافية وحقوقية. كما شهد حالة تراجع ونكوص بعد مؤتمر سوسة عام 1989 عندما تولى "اسماعيل السحباني" الأمانة العامة والذي لم يخف ولاءه الكامل لنظام بن علي. وقد كان أكثر القادة "النقابيين" الذين ساهموا في إضعاف هذه المنظمة وحاول تفكيكها داخليا حتى تمت إقالته عام 2000. أما في ظلّ قيادة "عبد السّلام جراد" فقد استعاد الاتحاد بعض من قوته، وعادت علاقات التوتّر والصراع بينه وبين النظام، خاصة بعد 2004 لما سيطرت على أغلب هياكله الجهوية والمحلية التيارات السياسية: اليسارية والقومية، خاصة بالنسبة إلى نقابات التعليم الأساسي والثانوي.
إذاً، تميزت العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومات التونسية على مرّ تاريخه، قبل 2010، بالتجاذبات والصّراعات والتوتّرات من أجل تفكيك هذه المنظمة والتأثير في استقلاليتها وإخضاعها إلى سلطة الحزب الحاكم. فنجد دائما داخل "المركزية النّقابية" عددًا من القادة النقابيين الذين تنكروا لمبادئ المنظمة وأهدافها، وآخرون صمدوا ووفقوا ولو نسبيا في الحفاظ عن استقلالية قراراتها. ولكن، على الرّغم من ذلك، مازالت هذه المنظمة تمثل قلعة ومدرسة "نضالية" يشهد لها بذلك كل الخبراء والنقابيين والسياسيين في مختلف أنحاء العالم. أما التجاذبات وقوتها أحيانا أوضعفها أحيانا أخرى، فكلها سمات يتميز بها المشهد التونسي عامة في ظلّ "دولة الغنيمة" التي لم ولن لا تستقرّ على حال.
فهذه بعض المحطات التاريخية التي أوردناها أردناها أن تكون منطلقًا للإجابة عن السّؤال التّالي: إلى أي مدى يمكن للاتّحاد العام التّونسي للشّغل أن يدافع عن جميع المطالب الشغلية، وأن يواجه "تسونامي" التحولات الاقتصادية والاجتماعية (النيوليبرالية) التي تعيشها تونس في ظلّ غياب أطر العمل السّياسي الحزبي والنّشاط الجمعياتي الحقوقي والهياكل التّمثيلية البرلمانية القويّة التي يمكن أن يعوّل عليها الشّعب للدّفاع عن حقوقه؟
إنّه لمن الخطإ والمجازفة غير المسؤولة أن يطلق بعض الأفراد أحكامًا مطلقة و"عدميّة" على الاتحاد وهو لم يقرأ برويّة وبعين ثاقبة وناقدة للتحولات، والوضعيات الغامضة التي تتميز بها سياسات الحكومة الترقيعية، والتي تقوم على منطق الغنيمة.
فمادامت علاقات القوة على الأرض تتغيّر وتؤثر بشكل يومي وفي كل لحظة في هذه السياسات والقرارات والتي من المهمّ أن يدركها النّقابيون قبل غيرهم من القواعد أو المواطنين العاديين؛ أي أنّ من يهمّه تطوير النشاط النقابي والدفاع عن "الصالح العام" والحفاظ على مؤسسات الدولة، لا يمكنه أن يدعو إلى الانسلاخ من هذه المنظمة ، مهما أخطأت المركزية النقابية، لأنّه بكل بساطة لن يجد بديلا إلا الارتماء في أحضان أعداء الوطن من سلطة سياسية ورجعية عربيّة ورأسمالية فاسدة.
فهذا التحالف "الاستراتيجي" ثلاثي الأضلاع هو الذي أفسد المشهد في تونس منذ 2011، ومازال يتفنّن في عملية الإفساد بكل أنواعه، وعبر مختلف وسائله من أجل الهيمنة على مقدرات البلاد في ظلّ اهتزاز سلطة الدولة. وأوّل شرط لتحقيق أهداف هذا الحلف هو العمل بكل الوسائل على إضعاف قوة هذه المنظمة في العملية التفاوضية والتي وضعت ضمن أجندة الحكومات المتعاقبة ( خاصة من خلال الدّعوة إلى تأسيس نقابات موازية )؛ فكانت من أهم أهدافها إضعاف دور الاتحاد العام التونسي للشغل التفاوضي في المحطات القادمة، وكذلك محاولة إضعاف تأثيراته في الحياة العامة للمجتمع. ففي ظلّ ضعف بقية منظمات المجتمع المدني وتشتّتها من أحزاب ومنظمات حقوقية، فإنّ السّلطة وحلفاءها يحاولون بكل الوسائل المباشرة وغير المباشرة استهداف الاتحاد والقضاء عليه باعتباره يمثّل آخر منبر وصوت احتجاجي جامع للتّونسيين.
لذلك، فلا سبيل لنا غير الدّفاع عن وحدة هذه المنظمة أولاً، ثم نقدها وتطويرها ثانيًا.أمّا أن نُحمّلها ما لا يمكن أن تحتمله، فإنّه يدل على سوء تقدير من قبل البعض للمشهد العام للبلاد، وعدم درايتهم بالضغوطات الدّاخلية والخارجية التي تضاعفت في ظل السّياسات الخاطئة التي قامت بها الحكومات المتعاقبة على تونس منذ 2011. ومن أكثر المواقف سذاجة هو أن نطلب من منظمة نقابية أن تقوم بدور المنظمات السياسية الحزبية. وقد نسي هؤلاء أن هذه المنظمة لا يمكن أن تكون يوما أداة سياسية من أدوات الثّورة. ولا يمكنها أن تعوّض حالة الضعف والوهن التي تميّز أكثر من 200 حزب سياسي، وتعيشها أكثر من 20 ألف و900 منظمة وجمعية في تونس حسب إحصائيات 2017.
كما أنّ مطالبة البعض بالتعددية النّقابية كإحدى الحلول التهديمية، فإنّها تعدّ في نظرنا من أكبر المغالطات وأكثرها فظاعة التي لم نجد لها أي مبررّ، لأنّه لا توجد "تعددية نقابية"حتى في أكثر الأنظمة "ديمقراطية" في العالم مثل: ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، ولا يمكن اعتماد القياس هنا أو مقارنتها بالتعدّدية السياسية. فالهدف من هذه الدّعوة في النهاية، لن يكون سوى تفكيك هذه المنظمة من أجل مصلحة أعدائها وخصومها، لأن قوة الطبقة العاملة تكمن في وحدة منظمتهم، أما هدف أعدائها فتكمن في سياسة "فرق تسد" ( مثل نقابات التعليم العالي الموازية "إجابة")، خاصة في ظل ما تشهده مؤسسات الدولة من هشاشة، وما تعيشه الأحزاب والمنظمات من عدم فاعلية أو تأثير في تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وكذلك، مع توسّع نفوذ المنظمات والمؤسسات الدولية غير الحكومية وسيطرتها على سيادة الدولة، والقيام بدور الوسيط بين حكومتنا وبين المانحين الماليين. لهذا، فكل ما يشكل تهديدا أو مقاومة أو عرقلة أو معارضة لسطوة منطق السّوق وآلياته، ومنها الاتحاد العام التونسي للشغل، أصبح هدفا لهؤلاء من أجل فرض انصياعه لسياستهم والقبول بتوصياتهم وإملاءاتهم. ولن يستفيد أحد من هذه النزعة العاطفية "السّاذجة" غير الحكومة وحلفاؤها، ولن تخلق إلا واقعا كارثيّا جديدًا على جميع المستويات القطاعية والوطنية. وقد تتراجع في التزاماتها ببعض العقود والاتفاقيات الاجتماعية إذا نجحت في ذلك. فإذا لم ندعم الاتحاد في مثل هذه الهزّات الخطيرة والهجمات "التسونامية" فكيف سيكون موقعه من المفاوضات القادمة مع الحكومة ونقابة الأعراف؟
إنّ من أكبر تداعيات العولمة وما أفرزته من أشكال جديدة للهيمنة والسّطو على مقدرات الشعوب في العالم، كانت كلها وفي الأصل استهداف للعمل النقابي، وخاصة محاولة تهميش الطبقة الوسطى العمود الفقري لهذه المنظمة. فالنقابة في الأصل هي مكلفة بالدّفاع عن حقوق منظوريها ومصالحهم، والتفاعل مع قضايا الشّأن العام للمجتمع، وكل تهديد أو إعتداء على قطاع شغلي تدافع عنه هذه المنظمة النقابية هو في النهاية تهديد لكيانها.
فإذا أردنا أن نتجاوز هذه الارتدادات وتأثيراتها السلبية على المجتمع، ومن أجل تقوية دور هذه المنظّمة، ينبغي علينا أن نبحث عن الحلول الواقعية الممكنة من داخل المنظمة وليس من خارجها. ومن أهم هذه الحلول هو تغيير نظامها الداخلي والعمل مثلا، على تأسيس النّظام "اللاّمركزي" وإعطاء النّقابات الجهوية سلطة اتخاذ القرارات في مسائل جهوية أو قطاعية دون العودة أحيانا إلى المركزية النّقابية. فمن شأن هذه الفكرة، وغيرها، أن تدعم قوّة هذه المنّظمة داخليا وتمنحها الحافزيّة للالتزام بتوصيات هياكلها أولاً، والحفاظ على مكانتها التفاوضية وقوتهّا أمام خصومها ثانيًا. أما غير ذلك، في ظلّ هذه المرحلة التفكيكية، فلا يمكن أن يكون إلا عراكاً ثم انتحارًا وهلاكًا، ووهْنًا للنّقابة وللمجتمع معًا.
