ألمانيا "الغربية" بالتعاون مع السعودية وبتخطيط من السي آي إيه مسؤولة عن تعويم جماعة الإخوان في الخمسينات والستينات، وتوفير مكان آمن لقادتها كلاجئين ونشطاء.. وحصل هذا مكايدة مع النظم الثورية العربية وخياراتها التحررية القومية وانفتاحها على المعسكر الاشتراكي بما فيه ألمانيا الشرقية وعلى رأسه موسكو، وخصومتها مع الملكيّات الرجعية.ألمانيا الغربية استضافت في الخمسينات سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان، وتركت له المجال -عبر المال السعودي- لتأسيس مؤسسات دينية أهمها "التجمع الإسلامي في ألمانيا"، ولا تزال تلك المؤسسات نشطة إلى اليوم، وكان أحمد عبد العاطي مدير مكتب المعزول محمد مرسي، عنصرا فاعلا فيها قبل عودته إلى مصر، كذلك احتضنت ألمانيا الغربية علي غالب همّت رجل الأعمال السوري، وسعيد العطار القيادي الإخواني السوري، وأفسحت له مجالا لنشاطه في مدينة آخن الألمانية (وأسس مسجد أسماه "بلال" يمارس فيه نشاطه إلى اليوم)، وهذه الجماعات كانت متورطة في دعم موجة الإرهاب الشهيرة التي وقعت في سوريا بالسبعينات وطالت مواطنين عاديين وحزبيين وإعلاميين وأفراد أمن وطلاب كليات عسكرية (مجزرة مدرسة الدفاع الجوية 1979) واغتالت ضباط جيش سوريين وروس أيضا، وتبنّت خطاب طائفي صريح، وكانت عونًا في الداخل للعدو الصهيوني الذي يهاجم في لبنان.
المرشح الرئاسي بانتخابات 2012 في مصر عبد المنعم أبو الفتوح، في كتاب حسام تمام الهام "شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية"، يتحدث عن نشأته السلفية المتزمّتة في جمعية أنصار السنة المحمدية (هي جمعية سلفية مُحتضنة سعوديًا منذ مؤسسها حامد الفقي)، ثم تأسيسه مع آخرين الجماعة الإسلامية في مطلع السبعينات بالجامعات -بضوء أخضر من نظام أنور الساداتي-، وكيف أن هذه الجماعة احتضنت الإخوان الخارجين من السجون أو العائدين من الخليج، ثم يتناول انتقاله للإخوان (كتنظيم) ومعه آخرين، مثل: "عصام العريان" و"حلمي الجزار" في النصف الثاني السبعينات، وتلطيفه لسلفيّته بتأثير من عمر التلمساني على عكس تيارين آخرين داخل الجماعة واحد استمر على تسلّفه في سياق دعوي (مجموعة الأسكندرية/حزب النور فيما بعد)، والثاني استمر عليها في سياق العنف (مجموعة الصعيد/إرهاب الثمانيات والتسعينات/حزب البناء والتنمية بعد يناير 2011).
في نقطة هامة بالكتاب يشير أبو الفتوح عند استعراضه تاريخ الحركة الطلابية المصرية المتمسحة بالدين، إلى أنها استمدت زخمها أو ارتبطت بتيار طلابي "إسلامي" عالمي في الخارج كان محوره في "آخن" الألمانية، حيث انعقد فيها بعام 1969 المؤتمر التأسيسي الأول لـ (رابطة الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية)، وقرّب هذا الاتحاد بين الحركة الإسلاموية في باكستان وأندونيسيا والعالم العربي وأوروبا !!، وتولت المنظمة طباعة كتب سيد قطب وعبد القادر عودة وحسن البنا وأبو الأعلى المودوي.
بمعنى إن ألمانيا الغربية المحسوبة تماما على المعسكر الأمريكي بهذا الوقت لم يقتصر دورها على استيعاب الإخوان واحتضانهم، بل ساهمت في تأسيس شبكة عالمية للنشاط!.
هذا الدور الذي مارسته السي آي إيه في ألمانيا الغربية تم توجيهه أيضا ضد السوفيت عبر استثارة مسلمي الاتحاد ضد موسكو، واستغلت مناسبات كالحج لتنفيذ هذه المهمة، كما ورد كمعلومات في كتاب "مسجد في ميونخ"، مع تثبيت التحفّظ على كاتبه، حيث جاء فيه: ((أن اثنين من مسلمي الاتحاد السوفيتي السابقين الذين تعاونا مع النازي، ثم صارا جزءًا من ألمانيا الغربية بعد هزيمة هتلر والتقسيم، وأخيرا أصبحوا عملاء لوكالة لاستخبارات المركزية الأمريكية.. قامت الوكالة بإرسالهما إلى الحج عام 1954 مستهدفين الحجاج السوفيت لنشر الدعاية من خلالهما، وحين وصلا للكعبة وجها اتهامات الحجاج السوفيت بأنهم غير مسلمين لأنهم يعملون في بلاد "الإلحاد"، وحدثت مشادة بينهم عند الحجر الأسود ، فقامت الصحف الغربية بتصوير الحادث على أنه انتفاضة عفوية نتيجة اشمئزاز المسلمين من الاتحاد السوفيتي، وكان العنوان الذي تصدّر صحيفة نيويورك تايمز ومجلة التايم «اثنان من اللاجئين المسلمين يدسان أصبعهما في عين جالوت السوفييتي» !!)).. والفعل ذاته، وصياغة الخبر تكشف إلى أي حد يبادر البيت الأبيض لتوظيف الدين عندما يكون لهذا التوظيف ما يخدمه ضد أعدائه، نهج الولايات المتحدة هذا يمكن الاستدلال عليه أيضًا، من السعي لتأسيس أحلاف إسلامية (حلف بغداد.. وغيره) في الخمسينات والتسينات، ومن الدور التخريبي في أفغانستان بالسبعينيات والثمانينيات، من واقعة التعاون الذي حصل في زمان رونالد ريجان مع البابا يوحنا بولس الثاني (بابا الكنيسة الكاثوليكية منذ خريف 1978 وحتى وفاته في أبريل 2005) ضد الكتلة الاشتراكية في شرق أوروبا، فلعب البابا دورًا بارزًا في إسقاط النظام الشيوعي في بلده بولندا، حينما دعم "ثورة سلمية" هناك، وتكشف المراسلات بين البابا وريغان كيف أن الفاتيكان دعم سياسة الولايات المتحدة في مقارعة الاتحاد السوفياتي، وفي 2004 منح الرئيس الإمريكي جورج بوش الابن، البابا يوحنا وسام الحرية!، هذا الملف لا يمكن مغادرته دون الإشارة إلى قيام الفاتيكان بإعلان فيديل كاسترو (خصم الولايات المتحدة) "مرتدًا" في يناير 1962، والعمل على تلطيخ صورته، وإلى الدور الذي يقوم به تحطيم سمعة كوريا الديمقراطية (الشمالية)، بالترويج لأنها، مثلًا، أكثر الدول "اضطهادًا" للمسيحيين في العالم، لتأليب الرأي العام عليها، أو في بث دعايا انتقامية من سيرة أنور خوجة في ألبانيا.. إلخ.