الحملة الحقيقيون للواء التحديث و النهضة هم حصريا المتمسكون بحق ببرنامج التحرير و الوحدة .و كل حديث عن التحديث خارج سياق تحقق مهام التحرير و الوحدة , ليس مجرد مزايدة أو بيع أوهام , و لكنه اندراج عملي في مشروع تفتيت النسيج الاجتماعي للأمة .فالطائفية ليست حكرا على المذهبية .إنها ميكانيزمات تفتيت قد تأخذ شكل تسعير مذهبي أو قبلي أو عشائري أو جهوي أو ايديولوجي أو سياسي . و احلال العلمانية الغربية- بغض النظر عن جوهرها المتصهين - كنقيض " موضوعي " للأصولية الدينية و محاولة اسقاط شعاراتها اسقاطا تبشيريا على واقع متخلف ما زال يعاني ويلات الاستعمار و التبعية و التجزئة , هو بالتأكيد مدخل جيد للتفتين الطائفي في دولة كتونس كانت الى زمن بعيد بمنآى عن التفتين المذهبي ( السني - الشيعي).
في جدار الأمة جسدا و فكرا , هنالك بالتأكيد فجوات متعلقة بالاختلافي .و هذه الفجوات هي القنوات الرئيسية التي يعبر منها الاستعمار فيسعر من تلك التناقضات و يقودها في الاتجاه الخادم لأهدافه من خلال عقد تحالفات لا مبدئية مثقلة برهانات اللحظة و واقع الديمغرافيا . يسعفنا التاريخ مرتين على الأقل : في التجربة العراقية و التجربة اللبنانية , ليؤكد لنا بالملموس أن " الديمقراطية الأمريكية " المفروضة على الأقطار العربية إنما هي " ديمقراطية " تفتينية تفتيتية .إنها ديمقراطية طائفية بامتياز و إن لم تأخذ شكل تسعير مذهبي . و ما لا يعلمه المتهالكون على أبواب الديمقراطية الأمريكية الاستعمارية الطائفية في تونس , أن المحاصصة السياسية فيها هي دائما , و قبل كل شيء , افراز لواقع مائع لزج طيع يمكن إعادة صياغته في أية لحظة وفق الأهداف المرجوة . فبواسطة التهجير و الإبادة و الحروب النفسية و الدعاية الاعلامية و المال السياسي و الاختراق الثقافي يمكن التحكم بسهولة في مسارات الديمقراطية الطائفية .
لقد كان لدينا , منذ الوهلة الأولى , سبب منطقي مبدئي وجيه , يبرر رفضنا الانخراط في اللعبة السياسية الحديثة في تونس بإعتبارها منتوجا استعماريا , ليس لدينا من الاستعداد ما يكفي للسكوت عنه . صار لدينا اليوم , وفق ما لمسناه موضوعيا من توجهات الدولة و الأحزاب ( الاستثارة الاسلاموية العلمانية ) , سبب ثان : فمجرد التفكير في امكانية اختلاس ما تبيحه هذه " الديمقراطية " من " هوامش عرضية "( كالشرعوية و الحريات) هو قبول , بشكل أو بآخر , بأن يقع تجييرنا في خدمة مشروع تفتيتي طائفي يمرق من دواليب الدولة و الاحزاب و إن لم تأخذ الطائفية فيه شكلها المذهبي التقليدي .
و على أساس من هذا , فإن ذاك التقييم الصادر عن بعض الأطراف التي رأت أن " الوضع في تونس اليوم هو أحسن مما كان عليه في عهد ابن علي من زاوية انفتاح مسارات العمل الوطني الجاد " , هو بالتأكيد تقييم متعجل و خاطئ و واهم .فالذي انفتح على وجه الحقيقة هو مسارات الخيانة الوطنية و التفتيت الطائفي و الحرب الفكرية البعيدة كل البعد عن الصراع ضد الامبرالية و الصهيونية . و كل حرب في الميدان أو الفكر لا يكون الهدف منها التصدي للمشروع الامبريالي الصهيوني هي بالتأكيد , بشكل أو بآخر , في خدمته . إن على أصحاب هذا التقييم أن يراجعوا أنفسهم . و عليهم , إذا ما أرادوا أن يكونوا صادقين في ذلك , ألا يبحثوا في ما جادت به الامبريالية عليهم من " مسارات يمكن استغلالها أو اللعب على هامشها " , بل في ما اختطفته و سرقته و جيرته لصالحها . على أنه حين تنقلب المعادلة بين عشية و ضحاها بفعل الربيع الامبريالي من: جماهير تكافح بمعية قواها الوطنية ضد دولة عميلة , إلى دولة عميلة تكافح بمعية الأحزاب ضد الجماهير الجرداء , فذاك يعني أن الامبريالية قد أخذت كل شيء و قد استنفذت كل شيء حين استولت على مفهوم " النضال الوطني " و جيرت سهامه ضد الجماهير .
مرة أخرى , انظروا إلى ما أخذت , و لا تنظروا إلى ما وهبت . و ابحثوا في الدسم دائما عن السم .فالامبريالية عدوة الشعوب و لا يمكن لها البتة أن تكون كريمة و معطاءة
