ما أعلمه، معلومة لا تحليلا، أنّ التوافق الذي بدأ بالتبلور صائفة 2013 ومباشرة بعد اغتيال البراهمي وما تلاه من روز وفاكية وحديث عن انقلاب وشيك شبيه بذلك الذي كان في مصر، ما أعلمه أنّ التوافق كان بين أطراف ثلاث لا طرفين اثنين. الطرف الثالث هو الخارج وهو الذي هندس التوافق ترغببا وترهيبا ووضع له ما يلزم من خطوط وحدود. قد يكون، بلاغة واخراجا، سمّاها نصائحا وتوجيهات ولكن الواقع أنها أوامر وتعليمات.
ما أعلمه أن الطرفين التونسيين قبلا وقدما ما يلزم من وعود وتطمينات. ماذا طلب الثالث المرفوع دوما في مقاربتنا للمشهد التونسي؟ طلب: 1 القبول بالقيم الكونية اطارا جامعا مشتركا بعدا عن كلّ تحجج بالخصوصية الثقافية أو الدينية أو الوطنية. 2 القبول بالانفتاح الاقتصادي وما يلزم له من تثبيت لليبرالية وللسوق قاعدة. 3 التنسيق اللصيق أمنيا وعسكريا وديبلوماسيا مع المركز الغربي. 4 التطبيع مع اسرائيل. طبعا قد لا تكون صياغة المطالب بهذا الشكل ولكن هكذا المحاور والعناوين. وهي مطالب يبلغها المرء بالتحليل ولا يحتاج معلومة أصلا وهي مطالب متواترة على ألسنة الغربيين بكلّ مناسبة وفي كلّ محفل. هي نفس ما طلب الغربيون من بن علي وأقرّه وهي ما يطلب من دون مواربة من كلّ نظام عربي. اذا رأيتم الغربيين يحاصرون نظاما ويلعنونه فآعلموا أنه لا يستجيب لهذه المطالب كلا أو تفصيلا.
الآن هل قبل الطرفان مقتنعين أم مكرهين؟ هل قبل تكتيكيا أو استراتيجيا؟ هذه مسائل أخرى لا يمكن للمرء أن يبني لها تحليلا متينا ولا أن يمتلك معلومة. قد يقود الضعف الى بعض تكتيك ولكن الضعف اذا امتدّ يوقع في الاستراتيجي. هل، وبعد الجدل حول تقرير لجنة الحريات وما أثاره من جدل وحرّكه من فعاليات وتظاهرات، هل نطمع في انقلاب الصورة ونكوص السياسيين التونسيين وليّ ارادة الثالث المرفوع؟ لا. مع كلّ أسف. تقديري أنّ كلّ السياسة التونسية دون ذلك بكثير. تقديري أيضا أنّ كلّ ما يمرّ أمام أعيننا ضرب من السّحر وفنّ الاخراج. أسمّيه تزييت أو تشحيم لمنع الاحتكاك وتطاير الشرر. ذكر فريد الباجي أن الاستاذ الباجي ذكّره مرّة أنّ قبضة الخاتم اذا اشتدّت حول الإصبع يلزمها قليل من الصابون. ايه هو يعرف دوره ودور السياسة عموما والصابون لا ينجز المهمّة الّا بما فيه من زيت.
وظيفة الطبقة السياسية في تونس وغيرها من بلدان عربية وأبعد منها وصولا الى جلّ الدول، وظيفتها أن تشكّل حاجزا بين خارج لا يريد صداعا وجمهور واسع يجب أن ينوّم بحكمة وذكاء: ينتظر ولا يثور.
